أحمد بن محمد ابن عربشاه

228

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

وإذا تولى الجدّ يحتاج الذكي * في رأيه قبل الزوال مراحا وانقلاب الدهر وانعكاس الزمان شيمة معهودة وخصلة معدودة ، كما قيل : ومن ذا الّذى ما غرّه صرف دهره * فأضحكه يوما ولم يبكه سنه وأنا كنت غافلا وإن لم أكن جاهلا ، وقد يكون الشخص عما تحققه ذاهلا ؛ وذلك لما كان عوّدنى الزمان وألفته من سالف الدوران وإرخاء العنان ونيل الأماني والأمان ، وإسبال نيل النعم والإحسان الدائم والكرم ، فمشيت على ما كنت أعهده وفي نفسي أجده ، وأيضا كانت لذة عشرتك ونعيم صحبتك وحسن موافقتك وعز مرافقتك أنساني كل بلية ، وأمنت بذلك كل رزية ، فألهانى عن التنكد ودهتنى غفلة عن التوزع والتبدد ، مثل ما أصاب ذلك الهدهد ، قال أخو نهشل : أسرد ذلك المثل : [ 34 ] [ قصة الهدهد : ] فقال : ذكروا إن الله مجرى الخير علم بعض عبيده الصلحاء منطق الطير ، فصاحب منها هدهدا وازداد ما بينهما توددا ، ففي بعض الأيام مر بالهدهد ذلك الإمام ، وهو في مكان عال ملتفت إلى ناحية الشمال وهو مشغول ، بالتسبيح يسبح الله بلسانه الفصيح ، فناداه يا صاحب التاج والقباء والديباج لا تقعد في هذا المكان ، فإنه طريق كل فتان ومطروق كل صائد شيطان ، ومقعد أرباب البنادق ومرصد أصحاب الجلاهق « 1 » . فقال الهدهد : إني عرفت ذلك وإنه مسلك المهالك . قال : فلأي شيء عزمت على القعود فيه مع علمك بما فيه من دواهية .

--> ( 1 ) الجلاهق : جسم صغير كروى من طين أو رصاص يرمى به ، وهي أيضا القوس التي يرمى بها البندق .